حقيقة أرى بان خطورة الأزمة التي تعيشها القضية والجماهير الفلسطينية جراء هذا الصراع الفئوي بين كل من سلطة حماس في غزة والسلطة الوطنية في الضفة الغربية – بين سلطة الرئيس محمود عباس الذي تم انتخابه ولم يتبق على فترته إلا القليل وبين الحكومة المقالة التي يترأسها السيد إسماعيل هينة التي استخدمت حركة حماس للسيطرة العسكرية على غزة، بين صلاحيات سلطتين (وهميتين) بين مؤسستي الرئاسة في رام الله وبين حكومة حماس المقالة التي تسيطر على قطاع غزة. إن كل هذا ما هو إلا جزء بسيط مما سيأتي لكثير من المخفي في هذا الصراع، وإن كنت أنا شخصياً مع الكثير من أمثالي نرفضه ونعمل على كل المستويات لتخفيفه وإنهائه إن أمكن!
ولكن هل من غير المعقول أن نكون أصحاب قضية حضارية عادلة ذات مدلول ومنهج إنساني وفي نفس الوقت الاستمرار في هذه الحالة من التناقض والتنافر الكبير لقطبي النظام السياسي الفلسطيني؟.
نعم إن الأزمة جاءت لأسباب كثيرة. وكما حذرت مراراً وتكراراً بأنها أزمة آتية لا محالة شئنا أم أبينا وستنفجر بشكل أكبر مادام استمر هذا النهج من طرفي السلطة إلا أنها أخذت أبعاداً عديدة وتشعبت لدرجة أنها أصبحت أخطر من كل التوقعات للحياة السياسية والبرلمانية والحزبية الفلسطينية. لقد دمرت مراحل كثيرة من عمر النضال الوطني الفلسطيني ومشروعه الذي أصبح في حالة ضياع وخطر كبير.
نعم، لقد كانت الانتخابات التشريعية في الخامس والعشرين من يناير 2006 م مظهراً ديمقراطياً احترمها الجميع من الداخل والخارج إلا أنها من وجهة نظري كانت ومازالت منقوصة!!!. نعم لقد كان هذا السلوك السياسي المسؤول من السلطة السياسية الفلسطينية السابقة مبعث فخر واعتزاز لشعبنا الفلسطيني احترمته وشهدت له كل حكومات وأحزاب العالم، ولكنه أصبح تحت تساؤول كبير وخصوصا عندما تحول من ممارسة مدنية سلمية لانتخابات وديمقراطية إلى ممارسة عسكرية لا تحترم المنتصر أو المهزوم - وحرقت الأخضر واليابس!!!
وبغض النظر عما حصل، أليس ما نحن بصدده اليوم أحوج ما نكون للوحدة والتلاحم ورص الصفوف وتوحيد الكلمة عشية دعوة الرئيس عباس إلى الحوار الوطني الفلسطيني/الفلسطيني لترتيب البيت الفلسطيني وتحقيق الإصلاحات المنشودة التي يحلم بها كل فلسطيني في الداخل والخارج تمهيداً لحكومة فلسطينية تتعامل مع كل تعقيدات المرحلة داخليا وخارجيا! من اجل الكشف عما وصلت له المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي وبالتالي الاستعداد لكل الاحتمالات ووضع الخطوط العاملة والخاصة والبرامج والإستراتيجية للمرحلة القادمة من اجل الحفاظ على ما تبقى من فلسطين التاريخية والعمل على تحقيق الحق المشروع في إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي تتسع للجميع بعيداً عن كل أشكال التشرذم وتفسخ المجتمع الفلسطيني.
أليس حرياً بهذا الشعب الفلسطيني الذي يعيش اليوم في وضع صعب على كافة الأصعدة وتحديداً فيما يخص الموضوع السياسي وحالة الانقسام بين جناحي الوطن (قطاع غزة وباقي فلسطين المحتلة) الشعب الذي يعيش حالة الحصار والوضع الاقتصادي الصعب وآفاق الحلول السياسية المغلقة؟ أليس من الهام للجميع بأن نعمل في البحث لمساعدة هذا الشعب الفلسطيني المخنوق اقتصادياً – بعيداً عن الانقسام الفلسطيني–الفلسطيني الذي يخدم فقط مشروع الطرف الإسرائيلي؟
انه نتيجة لمعاناة شعبنا الفلسطيني وحالة الأزمة التي يعاني منها النظام السياسي والاقتصادي الفلسطيني فإنني اقترح عليكم جملة من المقترحات والتوصيات كوثيقة من اجل الوحدة والتلاحم والتعاضد الفلسطيني لعلنا نستطيع تجاوز هذه التجاذبات والتناقضات والتنافرات والصعوبات التي تمر بها قضيتنا الفلسطينية ولكي نخرج من هذا الواقع المرير بعيداً عن الشعارات والمؤتمرات الصحفية، فقط وقفة جادة ومسئولة وحاسمة من كل الأطراف الفلسطينية دون استثناء من اجل العمل الجاد للوقوف على هذه الحقائق التي تتمثل في الأتي:
1.وقف كافة أشكال التحريض وتجنب اللغة المسيئة للآخرين وكل أشكال التحريض والتشكيك وما من شأنه أن يؤثر سلبا على الوحدة الوطنية و السلم المجتمعي السياسي الاقتصادي الداخلي. وفي الوقت نفسه، العمل على إشاعة ثقافة الحوار والمصالحة الوحدة، والاحترام المتبادل وتوسيع قاعدة المشاركة في صنع القرار.
2.العمل على توحيد التشكيلات العسكرية في إطار واحد تجمعه غرفة عمليات مشتركة لإدارة كافة أشكال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وهذا مع العمل على وضع خطة أمنية تشارك فيها الأجهزة الرسمية للسلطة (رئاسة وحكومة ومجلس تشريعي وفصائل)، ترتكز على إنهاء كل أشكال التعددية في الأجهزة الأمنية وضبط الأسلحة وجمع كل أنواعها الموجودة بأيدي العائلات والأفراد والجماعات.
3.اعتماد الحوار الديمقراطي لحل تنازع الصلاحيات والاختلافات بين مؤسسات السلطة السياسية واعتبار الميثاق الوطني الفلسطيني هو القانون الأساسي الذي يحتكم إليه الجميع، والقضاء الفلسطيني هو قانون وقاعدة الاحتكام عند الجميع، مع أهمية تشكيل حكومة وحدة وطنية إن أمكن على أن تضم كافة الكتل النيابية وشخصيات وطنية ترتكز على الثوابت الفلسطينية ووثيقة الاستقلال كأساس ينطلق منها النظام الفلسطيني تكون متمسكة بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وحق العودة وتقرير المصير كحقوق مقدسة لا يمكن التنازل عنها أطلاقا.
4.العمل الجاد والمسؤول لإطلاق جميع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب من المعتقلات والسجون الإسرائيلية.
5.أهمية التأكيد على أن م.ت.ف هي الممثل الشرعي الوحيد، والإطار الأوسع الذي يضم كل الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم وهذا على أساس التمثيل النسبي لجميع القوى والفصائل الفلسطينية، بما فيها حركتي المقاومة الإسلامية والجهاد الإسلامي وانضمامهما إلى مؤسسات م.ت.ف. وفي نفس الوقت العمل الفوري لإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية من خلال استكمال حوار القاهرة.
6.التمسك بالنظام الديمقراطي المرتكز على الانتخابات الديمقراطية وتعزيزه استكمالاً لإجراءات الإصلاح الداخلي بهدف توفير الأمن والأمان، ومنع استخدام كل أشكال العنف في حل الصراعات الداخلية حتى لا يتكرر ما سبق.
7.دعوة السلطة بكل مؤسساتها الرئاسية والحكومة و المجلس التشريعي إلى إعادة النظر في العمل التفاوضي والاتفاقيات السابقة على قاعدة المصلحة الفلسطينية فوق كل الاعتبارات الحزبية والفئوية والشخصية، وعلى قاعدة لا يمكن الجمع بين التجارة والسياسة في الحالة الفلسطينية، ويجب محاسبة السياسة والسياسيون التي استغلت من اجل التجارة الحزبية والشخصية.
8.مواجهة المخططات الإسرائيلية، لاسيما الحلول أحادية الجانب والجدار العازل، وتطويقها على جميع الأصعدة: الفلسطينية والعربية والدولية، والتصدي لها بكل أشكال المقاومة. والقيام بحملة إعلامية ودبلوماسية لكشف الانتهاكات والممارسات الإسرائيلية المخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية ومنظومة القيم الإنسانية.
9.السعي إلى عقد مؤتمر دولي يقوم على أساس الثوابت الفلسطينية والقرارات العربية والدولية العادلة التي تلبي مصالح الشعب الفلسطيني في الحرية و الاستقلال. وذلك من اجل العمل على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها من إسرائيل.
10.في ضوء ما سبق، فإنني أدعو كل المسئولين والعقلاء وصناع القرار الفلسطيني في الفصائل والتشكيلات السياسية والشخصيات الوطنية والإسلامية وفي مقدمتهم السيد الرئيس محمود عباس (أبو مازن) رئيس م. ت. ف رئيس السلطة الوطنية والسيد إسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة، إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية ترتكز على برنامج سياسي يحتوي على صيغة توافقية بين البرنامج السياسي للحكومة والرئاسة على أساس الثوابت الفلسطينية والمتطلبات العربية الدولية، والحاجة الشعبية دون التنازل عن الحقوق الفلسطينية المشروعة، انطلاقاً من استرتيجية وطنية مفادها " أننا شعب محتل من حقه الحرية والاستقلال" والعمل على دعم الديمقراطية الفلسطينية وصولاً لتحقيق الأهداف المرجوة في الحرية والاستقلال وتقرير المصير عبر إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة وعاصمتها القدس الشريف.
للحقيقة،، إننا نحن في حالة صراع مفتوح من إسرائيل على كل الجبهات السياسية والاقتصادية والعسكرية. ولا يبقى أمامنا إلا هدف واحد: العمل على إحباط وإفشال المخطط الإسرائيلي وهذا من خلال إدارة صحيحة للصراع من اجل تحقيق حقوقنا (فالحقوق تنتزع انتزاعاً ولا تقدم على طبق من ذهب) نحن يجب دوما العمل على إستراتيجية مفادها "أننا شعب محتل ومن حقه الحرية ودوما نسعى إلى إرساء سلام عادل وأمن حقيقي لمواطنينا وحياة كريمة لهم وللمنطقة والعالم عموماً".
برأي إن في مواجهة هذا الوضع لا بد أن تتضاءل وتتلاشى المصالح والصراعات الفئوية والحزبية، لان المنتصر والمهزوم باقون مع بعضهما بعض في السجن نفسه (الذي نحن نعيشه).
وأخيرا يجب على طرفي السلطة أن يعرفوا جميعاً بأنه إذا استمر الوضع كذلك فيجب تقييم سبب وجودهما في السلطة لان السلطة هدفها أولا وأخيرا هو خدمة الشعب ومصالح الشعب وهي للشعب وليس خدمة لمصالح حزب أو فئة أو أشخاص.
ألم يأت الوقت بعد، للعمل من أجل الإنسان والشعب والقضية الفلسطينية العادلة! مرة أخرى ... تخوفي أن نبقى فقط من أصحاب المؤتمرات والشعارات والنظريات ولا ممارسة ولا تطبيق وعلى هذا الأساس مبادرة الرئيس أولا وأخيرا بحاجة إلى تطبيق – التطبيق ثم التطبيق قبل فوات الأوان!
بقلم: الدكتور جهاد حمد
أستاذ علم الاجتماع السياسي والمحلل والكاتب السياسي
جامعة الأزهر بغزة
المصدر: وكالة معا